20 déc. 2012

امرأة عمران

بسم الله الرحمن الرحيم
محمد راتب النابلسي
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
نموذج قرآني يراد منه تقديم المصلحة العامة على الخاصة:
 أيها الأخوة الكرام, الآية الكريمة:
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 35]
 هل فكرنا -أيها الأخوة- لماذا يقص الله علينا هذه القصص؟ لملء وقت الفراغ؟ مستحيل، للاستمتاع بها كقصة؟ مستحيل، لأخذ العلم بشيء سبق؟ مستحيل، ما قصّ الله علينا هذه القصص, إلا ليكون أبطال هذه القصص قدوة لنا.
امرأة عمران لا تملك شيئاً إلا جنيناً في بطنها، فنذرته لله عز وجل، أي شخص من الأخوة الحاضرين له حرفة، له اختصاص، يتقن اللغة الأجنبية مثلاً، يتقن الرياضيات، يتقن إصلاح بعض الأجهزة، إذا كل شخص من المؤمنين نذر شيئاً يتقنه، وهو متمكن منه لله عز وجل، لخدمة المسلمين, يكون قد قدم لله شيئاً.

 المشكلة: أنه يوم القيامة حينما نقف بين يدي الله عز وجل, لو أن الله سألنا: يا عبدي ماذا فعلت من أجلي؟ يا ربي أكلت من أجلك، شربت من أجلك، تزوجت من أجلك، اعتنيت بالبيت من أجلك، لاحظ كم من عمل تقوم به كل يوم لك ولصالحك، وليس لأحد غيرك، ولأفراد أسرتك, فإذا وافت المنية أيّ شيء يدخل معك في القبر؟ فقط عملك الصالح الذي ابتغيت به وجه الله.
اقتد بامرأة عمران بما قدمته قرباناً لربها:
 فهذه المرأة العظيمة امرأة عمران تقول:
﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
[سورة آل عمران الآية: 35]
 لو أن كل شخص اقتطع شيئاً من اختصاصه، شيئاً من علمه، طبيب بعلمه، أحياناً يقول طبيب لجهة خيرية: هذه بعض البطاقات، أيّ إنسان فقير جداً يحمل هذه البطاقة بتوقيعي أعالجه مجاناً، قدم شيئاً، صيدلي جاءته امرأة فقيرة جداً، أعطاها الدواء، واحتسبه لوجه الله بعد أن تحقق، أبواب المعروف لا تعد ولا تحصى، ولا يوجد أحد من الأخوة الحاضرين إلا وعنده شيء يملكه، هو علم، هو خبرة، هو مال، هو ولد صالح، فأنا أتمنى أن تكون هذه المرأة قدوة لنا:
﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
[سورة آل عمران الآية: 35]
مشروع خيري لخدمة المسلمين:
 هذا رمضان موسم عبادة، لكن أمامك بقية أشهر العام موسم عمل، نحن في موسم عبادة الآن، نصلي قيام الليل، نذكر، نقرأ، لكن أمام بقية أشهر العام هي مناسبات للعمل، لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيت الله يقول:
((اللهم افتح لي أبواب رحمتك))

 أي يا رب تجلى على قلبي وأنا أصلي، تجلى على قلبي في أثناء الصلاة، اقذف من نورك في قلبي يا الله، ألق السكينة في قلبي، اجعلني راض عنك، هذه الرحمة، أما إذا خرج من المسجد يقول:
((اللهم افتح لي أبواب فضلك))

 يا رب ارزقني عملاً صالحاً يقربني إليك، فكل إنسان ضمن اختصاصه، كان السلف الصالح إذا أراد فتح محله التجاري, في أثناء فتح الباب يقول: نويت خدمة المسلمين.
 أنت تبيع وتربح، لكن تخدمهم بالبضاعة الجيدة، بالسعر المعتدل، بالمعاملة الطيبة، أنا لا أقول لك: قدم كل شيء دون مقابل، لكن يمكن أن تكون طبيباً، وأن تأخذ أجور المعاينة، لكن لا تبتز مال المريض.
 حدثني أخ أنا أحترمه كثيراً، هذا الأخ أقسم لي بالله أنني بإمكاني أن أجعل المريض يبيع بيته وهو لا يشعر، ويقدم لي إياه، لكن أنت حينما تضع علمك في خدمة المسلمين, تأخذ أجور المعالجة وتربح، وتسكن بيتًا، لكن أخذت الحد المعقول، وقدمت لهم أضعاف ما أخذت منهم، ونصحتهم.

مبادرة جديدة لب نداءها:
 أيها الأخوة الكرام, هذه امرأة عظيمة:
﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
[سورة آل عمران الآية: 35]
 الآن عاهد نفسك أن تقدم شيئاً مما آتاك الله من خبرة، من علم، يقول لي أحدهم: أنا أتقن الرياضيات، هل تحب أن أدرس بعض الطلاب لوجه الله؟. 

 طبيب أخ كريم, جاءته معلمة يوجد تشويه بأسنانها، فكلما ابتسمت ابتسم الطلاب سخرية مما في فمها من تشويه، فلما طالبها بالمبلغ الذي يناسب عمله, رأته كبيراً فاعتذرت، ألهم الله هذا الطبيب أن يجري هذا العمل لوجه الله، يقسم لي بالله! أنه ما عمل عملاً في حياته كان أسعد به من معالجة أسنان هذه المرأة، لأنها معلمة وفقيرة، وحينما تبتسم تنشأ مشكلة اجتماعية معها.
 فأنت لك شيء لله؟ هكذا عمل لوجه الله؛ لا تبتغ به دنيا، لكنك تبتغي به وجه الله عز وجل؟:

﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
[سورة آل عمران الآية: 35]
 العوام لهم كلمة لطيفة: المركب إذا لم يوجد شيء لله يغرق، فأنت دع شيئاً لله من عملك، دع شيئاً لله من خبرتك، دع شيئاً لله من علمك، دع شيئاً لله من جاهك، قد تدعى إلى مكان بعيد، أنت حينما تلبي هذه الدعوة تبتغي بها وجه الله، قد تدعى إلى عمل طيب, أنت حينما تلبي هذا العمل تلبيه في سبيل الله:
﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
[سورة آل عمران الآية: 35]
دعوة إلى عمل صالح:
 خَطَر في بالك أن يكون ابنك داعية فرضاً؟ أريده طبيبًا معه بورد، يفتخر بأن ابنه يحمل دكتوراه في الطب، ومعه بورد فقط، أما لو أردت أن يكون داعية ينصح المسلمين، ينشر هذا العلم الشريف، ليسانس شريعة، خطيب مسجد، ليس بكثير، أما طبيب، مهندس، غير ترتيب، إذاً: مَنْ مِنَ المسلمين نذر ابنه ليكون عالماً؟ من منَ المسلمين؟.

 يوجد أب من الميدان له أربعة أولاد، الأربعة لهم تجارة عريضة، أمر واحداً منهم أن يتوظف في الأوقاف ليخدم علماء المسلمين، قال له: وحصتك من التجارة كما هي، كما لو كنت معهم، والرجل حي يرزق، هذا أب صالح، قال له: أنت مهمتك أن تخدم العلماء، وله أعمال طيبة جداً، والده أمره أن يدع العمل مع أخوته في التجارة ليتفرغ لخدمة العلماء، قال له: وحصتك من هذه التجارة كما لو كنت على رأس عملك, قدم الأب شيئاً.
 أي أنت اسأل نفسك سؤالاً محرجاً: ماذا قدمت لله؟ صليت هذا فرض، زكيت هذا فرض، صمت هذا فرض، لا يمكن الدولة أن تقيم حفل تكريم لإنسان دفع الضريبة، هذه اسمها ضريبة، لأنها قادمة من الضرب، أي علموا أنه جاء رجل إيراني إلى الشام، فبالمطار لا يتكلم عربية إطلاقاً، التقى بسائق قال له: إلى أين؟ أشار له إشارة فقط فأخذه إلى المالية, فهل نذرت شيئاً لله عز وجل؟.
 أحياناً يكون الشاب يتقن الرياضيات, يعلم طالباً فقيراًَ الرياضيات، أنا أدعوكم لعمل صالح، يوجد مليون عمل صالح، وهذه كلها قد لا تكلف مالاً، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:

((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم, فسعوهم بأخلاقكم))

 يمكن أن تزور أخاً، يمكن أن تتابع أخاً، يمكن أن تدرس أخاً، يمكن أن تصلح آلة لجامع فرضاً، أنا أتمنى أن تكون هذه المرأة قدوة لنا:
﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾
[سورة آل عمران الآية: 35]
من عوائد الأسر الدمشقية:
 حدثني أخ يعمل في ميتم: أن الأسر الدمشقية التي تطلب أن تقدم طعاماً نفيساً جداً للأيتام في رمضان أربعة أضعاف عن الثلاثين يوماً، فيضطرون إلى القرعة، أي أسرة تطعم مئة طفل أفخر طعام برمضان، الطبخ الشامي الغالي، قال لي: والله يصفون بالدور، رفضنا ثلاثة أضعاف الذين قبلناهم، بلد فيها خير كثير جداً، أي قدموا شيئاً، أنا أطعم الأيتام طعاماً برمضان إكراماً لهم، فأنت اسأل نفسك: أنت ماذا قدمت لله؟ لا يوجد اختصاص إلا وله علاقة بالعمل الصالح.

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الآية محركاً لنا على مدى أشهر العام القادم بعمل صالح نبتغي به وجه الله، والأعمال الصالحة هي طرائق إلى الله، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق, ولا يوجد إنسان لا يتقن شيئاً، لا يوجد إنسان إلا ويتقن شيئاً، فأرجو الله أن يكون هذا في ذهن كل واحد منا، فلعل الله سبحانه و تعالى يرحمه بما يقدم للناس.
من لا يشكر الناس لم يشكر الله:

 أخواننا الكرام, الله عز وجل شكور، أنت إنسان أودع الله فيك فطرة عالية، لو إنسان دفع عنك بمركبة عامة خمس ليرات، تقول له: شكراً، يمكن أن تجد نفسك مضطراً أن تقول له مرة ثانية: والله خجلتنا، قبل ما تنزل: نحن ممنونون جداً، مع السلامة، ثلاث مرات شكرته على خمس ليرات، فالله منحك الوجود، منحك السمع، والبصر، والنطق، واللسان، والزوجة، والأولاد، منحك عقلاً، ومنحك أجهزة دقيقة جداً تعمل بانتظام، وقال لك: ردّ هذا الجميل:
﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾
[سورة سبأ الآية: 13]
 أي ترجم هذا الشكر إلى عمل، أي اخدم له عباده، هل تصدقون: أن امرأة بغي ـمعلوم من هي البغي؟- التي تأكل بثدييها، تتاجر بجسمها، رأت كلباً عطشاً في فلاة، فنزلت بئراً، وملأت خفها ماءً، وسقته، فشكر الله له، فغفر لها؟.

 لأنها ما ابتغت بهذا العمل إلا وجه الله، لأنها لا يمكن أن تعمل هذا العمل لإنسان، لا أحد في الصحراء, كلب يكاد يموت من العطش, كلب قدمت له وجبة ماء، بلت جوفه, كلب, فغفر الله لها، ممكن أن تقدم خدمة لأي مخلوق، ولك عند الله أجراً كبيراً.
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء:
 فيا أيها الأخوة, رمضان شهر عبادة، لكن الأشهر القادمة شهر عمل، والإنسان بالعمل يتألق.

 أنا بربكم أقول لكم: مجند غر ملحق بفرقة، وعلى رأس هذه الفرقة لواء، هل يستطيع هذا المجند الغر أن يدخل على مكتب اللواء؟ بحسب النظام العسكري التسلسلي مستحيل، أمامه سبعة، ثم سبعتان، ثم ثمانية، ثم ثمانيتان، ثم ثمانية ونجمة، ثم ثمانية ونجمتان، بعد نجمة على الكتف، ثم نجمتان، ثم ثلاث، بعد نسر، ثم نسر ونجمة، واثنتان، وثلاث، بعد هذا سيفان، يستطيع هذا المجند أن يدخل على اللواء مباشرةً؟ يستطيع بحالة واحدة، يكون ابن هذا اللواء يسبح، وغرق، فألقى بنفسه، وأنقذ ابنه، فإذا دخل عليه يدخل بلا استئذان، أنت -ولله المثل الأعلى- لما تخدم العباد, تستطيع أن تتصل بالله عز وجل مباشرةً في أثناء الصلاة، معك عمل طيب؛ عندما تنصح الناس، تعاونهم، لا تبتز أموالهم، لا تخيفهم، لا تحتال عليهم، لم تبعهم بضاعة سيئة بسعر عال، لا تتحكم بحاجتهم لهذه البضاعة، حينما ترحمهم, فالله عز وجل يرحمك، والعمل الصالح يرفعه، الذي يرفعك هو العمل الصالح.
 فيا أيها الأخوة الكرام, اجعلوا من هذه المرأة امرأة عمران قدوة لنا، قال تعالى:

﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾
[سورة آل عمران الآية: 35]
والحمد لله رب العالمين

Enregistrer un commentaire