20 avr. 2014

التوبة وظيفة العمر

http://www.bascota.com/up/uploads/135273469013.gif

[ التوبة وظيفة العمر، و بداية العبد و نهايته، و أول منازل العبودية و أوسطها و آخرها ] ( محمد بن إبراهيم الحمد )

وقد قال الله تعالى: { وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:31]
وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم:8]

التوبة النصوح هي: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها، التوبة التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه و القرب منه،
و يستمر عليها في جميع أحواله (السعدي)

http://www.twbh.com/files/cards/cards/card31.jpg

الله سبحانه و تعالى يحبّ أن يُذكر فلا يُنسى وأن يُطاع فلا يُعصى لكن الإنسان واقع لا محالة في الغفلة والمعصية
غير أن له - مادام على قيد الحياة – مجالا للاستدراك وهو التوبة، وليست كل توبة صادقةً ولا مقبولةً،
إنّما التوبة الّتي ترضي الله وتمحو الذنوب وتحوّلها إلى رصيد من الحسنات هي رجوع المؤمن بكلّيّته إلى الله بعد الشرود،
أي بعقله وقلبه وجوارحه
http://share1.muslmah.net/up/11/5308/01312992413.png

فيا من يذنب و لا يتوب، كم كُتبت عليك الذنوب، ويحك خلِ الأمل الكذوب، وا أسفا أين أرباب القلوب،
تفرقت بالهوى في شعوب، ندعوك إلى صلاحك و لا تؤوب، وا عجبا لك ما الناس إلا ضروب (ابن الجوزي)

عندما أتأمل أحاديث التوبة أتعجب من حلم الله سبحانه و تعالى بنا و حبه لنا - نحن المقصرون في جنابه -.

- أيفرح ربي بتوبتي!! نعم يفرح بها: « للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ و قد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ » (البخاري: [6309])
«  للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَ عَلَيْهَا طَعَامُهُ
وَ شَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا و قد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ،
فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي و أنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ » (مسلم: [2747])

- أينتظر ربي توبتي!! نعم ينتظرها: « إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، و يَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ،
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها » (مسلم: [2579])

- أيقبل ربي توبتي بعدما أسرفت على نفسي!!
نعم يقبلها: « مَنْ تَابَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيهِ » (مسلم: [2703]). «إِنَّ الله عز و جل يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ » (صحيح الجامع: [1903])

وصفة المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته سبحانه وتعالى عنهما، و لم تزل آثارهما سارية في الوجود،
مالئة للموجود، تسع يداه من الخيرات آناء الليل و النهار، و يوالي النعم على العباد و الفواضل في السر والجهار،
و العطاء أحب إليه من المنع، و الرحمة سبقت الغضب و غلبته، و لكن لمغفرته و رحمته و نيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد،
فقد أغلق على نفسه باب الرحمة و المغفرة، أعظمها و أجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح،
و الدعاء و التضرع و التعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، و الطريق الأعظم (السعدي)

أيها المؤمنون: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } [الذاريات:50]. "هذه الآية من أعظم آيات القرآن الكريم،
تجمع معاني الخوف و الرجاء: الخوف من الله تعالى، و اللجوء إليه سبحانه، إذ لا منجا منه إلا إليه عز و جل،
أمر بالفرار منه إليه ليدل العباد على أنه أرحم بهم من كل من سواه، و أنه عز و جل يريد بالعباد الرحمة والمغفرة" (المنجد)

" و سمى الله الرجوع إليه فرارًا، لأن في الرجوع لغيره، أنواع المخاوف و المكاره، و في الرجوع إليه،
أنواع المحاب و الأمن، والسرور والسعادة والفوز " (السعدي)

فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يتلذذ، ولا يسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه.
ولو حصل له كل ما يتلذذ به من المخلوقات لم يطمئن، ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه،
ومن حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه. وبذلك يحصل له الفرح، والسرور، واللذة، والنعمة، والسكون، والطمأنينة (ابن تيمية)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1119/02.jpg

فإلى متى التسويف يا من أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي؟!

فكم من يوم قطعته بالتسويف؟ و كم من سبب أضعت فيه التكليف، و كم أذن سمّاعة لا يزجرها التخويف؟!
يا بطَّال إلى كم تُؤخر التوبة و ما أنت في التأخير معذور؟ إلى متى يقال عنك: مفتون مغرور؟ يا مسكين!
قد انقضت أشهر الخير و أنت تعد الشهور، أتُرى مقبول أنت أم مطرود؟ أتُرى مواصل أنت أم مهجور؟
أتُرى تركبُ النُّجبَ غدًا أم أنت على وجهك مجرور؟ أتُرى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب القصور؟ (ابن الجوزي).

قال تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [آل عمران:185].

فالموت آتٍ لا محالة، و القبر واقع لا دعابة، و المهبط إما جنة و إما نار، فأين أنت يا قلبي المسكين؟؟ تتمرغ في ملذات الدنيا؟!
قال صلى الله عليه و سلم: "أكثروا ذكر هادم اللذات يعني الموت " ( صحيح الترغيب ).
و هذا من جوامع الكلم. قال علماؤنا: هذا كلام مختصر وجيز؛ قد جمع التذكرة و أبلغ في الموعظة؛
فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة، و منعه من تمنيها في المستقبل، و زهده فيما كان منها يؤمل،
و لكن النفوس الراكدة والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعاظ وتزويق الألفاظ،
وإلا ففي قوله عليه الصلاة و السلام: « أكثروا ذكر هادم اللذات »، مع قوله تعالى: { كل نفس ذائقة الموت }
 ما يكفي السامع له و يشغل الناظر فيه (التذكرة للقرطبي)

ترقّب الموت يا هذا:

بينا الفتى مَرِح الخُطى فرحٌ بما *** يسعى له إذ قيل: قد مَرِضَ الفتى!!

إذ قيلَ: باتَ بليلةٍ ما نامها *** إذ قيلَ: أصبحَ مُثخنًا ما يُرتَجى!!

إذ قيلَ: أصبحَ شاخصا وموجها *** ومعللا، إذ قيلَ: أصبح قد قَضَى!!

فيا أخي.. أقبِل على قبلة التوجه إلى مولاك، و أعرِض عن مواصلة غيك وهواك، و واصِل بقية العمر بوظائف الطاعات،
و اصبر على ترك عاجل الشهوات، فالفرار أيها المكلَف كل الفرار، من مواصلة الجرائم والأوزار،
فالصبر على الطاعة في الدنيا حد الصبر على النار ( ابن الجوزي ).
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7366/03.jpg

أيها العائم في بحر الغفلة: يا نائما طول الليل.. سارت الرفقة ورحل القوم.. وما انتبهت من الرقدة!!
يا غافلا عن مصيره.. يا واقفا مع تقصيره!! سبقك أهل العزائم.. و أنت في بحر الغفلة عائم!!
قف على الباب وقوف نادم.. و نكس رأس الذل و قل: أنا ظالم.. و نادِ في الأسحار: مذنب و راحم.. و تشبه بالقوم و إن لم تكن منهم و زاحِم.. و قم في الدجى مناديا.. و قف على الباب تائبا.. و دع اللهو جانبا.. و طلق الدنيا إن كنت للآخرة طالبا (ابن الجوزي)

الخوف من الذنوب ولو بعد التوبة:

ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه و إن تاب منها و بكى عليها،
و إني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة و كأنهم قد قطعوا على ذلك. و هذا أمر غائب، ثم لو غُفِرت بقي الخجل من فعلها.
و يؤيد الخوف بعد التوبة أنه في الصحاح: أن الناس يأتون إلى آدم عليه السلام فيقولون: اشفع لنا فيقول: ذنبي،
و إلى نوح عليه السلام فيقول: ذنبي، و إلى إبراهيم، و إلى موسى، و إلى عيسى صلوات الله و سلامه عليهم.. فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوبا حقيقة.
ثم إن كانت فقد تابوا منها و اعتذروا و هم بعد على خوف منها
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7366/01.jpg

ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع و ما أحسن ما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "واسوأتاه منك وإن عفوت".
فأف والله لمختار الذنوب و مؤثر لذة لحظة تبقى حسرة لا تزول عن قلب المؤمن و إن غُفِر له.
فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلا، و هذا أمر قل أن ينظر فيه تائب أو زاهد لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة.
و ما ذكرته يوجب دوام الحذر والخجل (ابن الجوزي)

والآن:

قد آن للنائم أن يستيقظَ من نومِه، و حان للغافل أن يتنبه من غفلته، قبل هجوم الموت بمرارة كأسه،
و قبل سكون حركاته و خمود أنفاسه، و رحلته إلى قبره و مقامه بين أرماسه ( التذكرة للقرطبي )

سدرة المنتهى
المصدر: فريق عمل طريق الإسلام
http://ar.islamway.net

أسأل الله تبارك و تعالى أن يتقبل مني هذا العمل الخالص لوجهه الكريم و أنال بركته و يرضى عني  و يعظم لي أجري
ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار. آمين

اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
Enregistrer un commentaire